يرصد عماد عنان في تحليله التحول اللافت في موقف الإمارات من إيران، مع تصاعد الضغوط الأمريكية على طهران، وما قد يترتب على انحياز أبوظبي بصورة أوضح إلى واشنطن من خسائر اقتصادية وتجارية ومالية. فبعد إعلان الإمارات، في 19 أغسطس 2026، وقف جميع التعاملات التجارية والمالية مع إيران حتى إشعار آخر، على خلفية اتهامات لطهران بإطلاق صواريخ استهدفت ممرات الملاحة وأهدافًا إماراتية، وهي اتهامات نفتها إيران، وأعلنت الإدارة الأمريكية بعد ثلاثة أيام، في 22 أغسطس، ما وصفته بأكبر عملية «خنق اقتصادي» لإيران في التاريخ.


وفي تقرير نشره موقع «نون بوست»، تناول عنان تداعيات التصعيد المتزامن من أبوظبي وواشنطن، متسائلًا عما إذا كانت الإمارات تتحول من أحد أهم الشرايين الاقتصادية التي تعتمد عليها إيران إلى طرف مشارك في حملة الضغط الأمريكية عليها. كما يناقش التقرير تطور التقارب الأمني والاستراتيجي بين الإمارات والولايات المتحدة إلى شراكة اقتصادية أكثر وضوحًا، والتكلفة التي قد تتحملها القطاعات الإماراتية إذا مضت أبوظبي في تفكيك علاقاتها التجارية والمالية مع طهران، التي تشكلت على مدى عقود.

 


الإمارات.. شريان اقتصادي رئيسي لإيران


يتطلب فهم حجم التصعيد الإماراتي ضد طهران وتداعياته النظر إلى ما يتجاوز التجارة التقليدية بين دولتين متجاورتين. فقد أدت العلاقات الاقتصادية مع الإمارات دورًا استراتيجيًا في الاقتصاد الإيراني، إذ وفرت أحد المسارات الرئيسية التي استخدمتها طهران للالتفاف على بعض العقوبات الغربية. وبذلك، شكلت الإمارات لعقود أحد أهم «الرئات الاقتصادية» التي ساعدت الاقتصاد الإيراني على الاستمرار.


وتوضح الأرقام الرسمية مدى تشابك المصالح بين البلدين. فقد مثلت الإمارات إحدى البوابات الرئيسية للتجارة الخارجية الإيرانية، وكانت، قبل اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، من أكبر الشركاء التجاريين لطهران، إذ وفرت نحو 30% من وارداتها، بقيمة قاربت 21 مليار دولار في عام 2024. وفي المقابل، استوعب السوق الإماراتي نحو 13% من الصادرات الإيرانية خلال العام نفسه، فيما بلغت التجارة الخارجية الثنائية غير النفطية نحو 6.6 مليار دولار.


وتشير هذه الأرقام إلى أن تجميد العلاقات أو وقفها، ولو مؤقتًا، سيعني بالنسبة إلى طهران أكثر من خسارة سوق أو شريك اقتصادي؛ إذ سيؤدي إلى تعطيل أحد أهم شرايينها الاقتصادية والشبكات التي ساعدتها على التكيف مع العقوبات الغربية المتعاقبة.


لذلك، يتجاوز تأثير الخطوة الإماراتية حدود العلاقات الثنائية، إذ يمنح أبوظبي دورًا مؤثرًا في ممارسة الضغط الاقتصادي على إيران، ويجعل قراراتها أكثر قدرة على التأثير في إحدى أبرز نقاط الضعف لدى طهران، كما يضع الإمارات في مقدمة الأطراف المشاركة في تصعيد الحرب الاقتصادية ضدها.


 

واشنطن تستهدف الشريان الإماراتي للاقتصاد الإيراني


يبدو أن واشنطن أدركت مبكرًا أهمية «الرئة الإماراتية» للاقتصاد الإيراني، وهو ما يفسر تطور جهودها لاستهداف هذه الروابط بصورة تدريجية، مع مراعاة المصالح الحساسة التي تجمع أبوظبي وطهران وطبيعة الشراكة الاستراتيجية بين الإمارات والولايات المتحدة.


وخلال العامين الماضيين، كثفت وزارة الخزانة الأمريكية استهداف الشركات والشبكات المسجلة في الإمارات أو العاملة فيها، متهمة إياها بالمشاركة في أنظمة مالية وتجارية تستخدمها طهران للالتفاف على العقوبات وتحويل عائدات النفط والبتروكيماويات إلى خارج النظام المصرفي الإيراني الخاضع للقيود.


واتخذ هذا النهج شكلًا أوضح في يونيو 2026، حين اتهمت واشنطن شركات واجهة في الإمارات وهونج كونج بالعمل ضمن ما وصفته بـ«النظام المصرفي الموازي» الإيراني، الذي تعتمد عليه طهران لتوجيه الإيرادات ونقل الأموال بعيدًا عن القنوات الرسمية المباشرة.


وبعد شهر، انتقلت واشنطن من توجيه الاتهامات إلى فرض عقوبات مباشرة على 22 كيانًا في الإمارات وهونج كونج وتركيا، قالت إنها ساعدت في تسهيل مبيعات النفط الإيراني. وفي سبتمبر 2026، وسّعت الولايات المتحدة نطاق استهدافها ليشمل شبكة أخرى من الأفراد والشركات الإماراتية، اتهمتهم وزارة الخزانة بتحويل أموال نيابة عن الحرس الثوري الإيراني ووزارة الدفاع الإيرانية.


وفي يونيو 2026 أيضًا، استهدفت واشنطن شبكة قالت إنها استخدمت شركات واجهة في الإمارات والصين لنقل الغاز البترولي المسال الإيراني وإخفاء مصدره. ثم وسّعت إجراءاتها لتشمل شركات مقرها دبي تعمل ضمن شبكات للصرافة والتجارة مرتبطة بطهران.


وقدمت واشنطن أحدث حزمة من العقوبات باعتبارها الأوسع والأشد في تاريخ الضغط الاقتصادي على إيران، إذ لم تعد تقتصر على الشركات والكيانات الإيرانية، بل امتدت إلى الدول والمؤسسات التي تواصل التعامل معها. وباعتبار الإمارات أحد أبرز الشرايين الاقتصادية والمالية لطهران، أصبحت أبوظبي في قلب حملة الضغط الجديدة.

 


أبوظبي بين مصالح طهران ومكاسب الشراكة مع واشنطن


يتطلب فهم كيفية استجابة أبوظبي للضغوط الأمريكية مع الحفاظ على مصالحها الاقتصادية في إيران النظر إلى طبيعة علاقتها بواشنطن. فهذه العلاقة تجعل اتخاذ القرار الإماراتي أكثر تعقيدًا، بعدما تجاوزت سريعًا نطاق الأمن والدفاع إلى روابط اقتصادية واستثمارية يصعب تجاهلها أو التخلي عنها.


وحافظت أبوظبي وواشنطن لعقود على علاقات عسكرية وأمنية وثيقة. ففي سبتمبر 2024، رحبت الولايات المتحدة رسميًا بانضمام الإمارات إلى فئة «الشريك الرئيسي في الدفاع»، ثم وقّع البلدان في مايو 2025 خطاب نوايا يحدد خارطة طريق لشراكة دفاعية أكثر تكاملًا، تشمل الجاهزية العسكرية والعمليات المشتركة والتعاون في مجالي الابتكار والصناعات الدفاعية.


وخلال السنوات الأخيرة، دفعت الاتفاقيات الاقتصادية والاستثمارية الكبرى العلاقة إلى ما يتجاوز الشراكة الأمنية التقليدية، وجعلت مصالح البلدين أكثر ترابطًا. ففي مايو 2025، أبرم الطرفان اتفاقات تجارية تجاوزت قيمتها 200 مليار دولار، إلى جانب تعهدات إماراتية باستثمارات طويلة الأجل في الولايات المتحدة تبلغ 1.4 تريليون دولار.


وقد جعل هذا التوسع من التعاون الدفاعي إلى العلاقات الاقتصادية الواسعة مهمة الموازنة بين واشنطن وطهران أكثر حساسية بالنسبة إلى أبوظبي. فلم يعد الأمر مجرد اختيار سياسي بين حليف أمني وشريك تجاري، بل شبكة من المصالح المتداخلة التي قد يكون تفكيكها مكلفًا.


وهنا يبرز السؤال الأهم: إذا دفعت الضغوط والتصعيد الإمارات إلى تقليص علاقاتها مع أحد الطرفين، فما حجم التكلفة التي تستطيع تحملها؟ وأي العلاقتين سيكون أقل كلفة عند التراجع عنها؟ وأي خسارة يمكن لأبوظبي استيعابها دون الإضرار بمكانتها الاستراتيجية أو مصالحها الاقتصادية؟


تواجه الإمارات الآن اختبارًا صعبًا لسياسة «الوقوف في المنتصف» التي طبعت جانبًا كبيرًا من تعاملها مع واشنطن وطهران على مدى سنوات. فبينما عمقت شراكتها الأمنية والعسكرية والاقتصادية مع الولايات المتحدة، حافظت بصورة براغماتية على مصالح تجارية ومالية واسعة في إيران، رغم التوترات والخلافات السياسية المتقطعة بين البلدين. لكن التطورات الأخيرة تبدو كافية لدفع أبوظبي إلى إعادة النظر في هذا التوازن.


وتواجه الإمارات خيارين مكلفين. يتمثل الأول في تقليص تجارتها وروابطها المالية مع إيران بصورة كبيرة، مع قبول خسائر مباشرة تطال بعض القطاعات والشركات، مقابل حماية علاقتها الاستراتيجية بواشنطن وما توفره من مكاسب أمنية وعسكرية واقتصادية وسياسية. أما الخيار الثاني، فيتمثل في الإبقاء على بعض العلاقات مع طهران، مع احتمال التعرض لضغوط أمريكية أكبر وتعريض مصالح أوسع للخطر.


وتشير المؤشرات إلى أن الإمارات تسرّع اندماجها في الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة. فقد توسع التعاون، الذي بدأ في مجالي الأمن والدفاع، ليشمل الاقتصاد والاستثمار، بما قد يجعل أبوظبي أداة إقليمية مؤثرة في تنفيذ الأجندة الأمريكية.


وفي الحسابات الاقتصادية والسياسية واللوجستية المتعلقة بالكلفة والعائد، لا تزال الولايات المتحدة تبدو الطرف الأثقل وزنًا بالنسبة إلى الإمارات، خصوصًا بعدما وسعت واشنطن ضغوطها لتشمل الشركاء التجاريين لطهران، ولوّحت بعواقب قد تصل إلى تقييد وصولهم إلى النظام المالي الأمريكي.


ويغير هذا التحول حسابات أبوظبي بصورة جوهرية؛ إذ قد تصبح كلفة الحفاظ على بعض المصالح في إيران أكبر بكثير من العوائد التي تحققها. ولا تحتاج واشنطن بالضرورة إلى مطالبة الإمارات علنًا أو مباشرة بالمشاركة في حصار اقتصادي شامل على إيران، إذ يمكنها ممارسة الضغط بوسائل أكثر هدوءًا وفاعلية.


وقد تكفي الإشارات الواضحة، سواء أُرسلت علنًا أم عبر قنوات خاصة، لوضع صانعي القرار الإماراتيين أمام معادلة بسيطة: استمرار التعامل مع طهران قد يكلف أكثر من التخلي عنها. وعندئذ، يتحول القرار إلى حساب للمكاسب والخسائر، بدلًا من أن يكون مجرد اصطفاف سياسي.

 


الكلفة الباهظة لفك الارتباط الاقتصادي مع طهران


سيترتب على تقليص العلاقات الاقتصادية مع إيران استجابةً للضغوط الأمريكية ثمن تتحمله الإمارات، مهما كانت المكاسب التي قد تجنيها أبوظبي من علاقتها بواشنطن. وسيؤثر هذا التحول مباشرة في قطاعات استفادت لعقود من الروابط التجارية والمالية مع السوق الإيرانية.


وتأتي قطاعات إعادة التصدير والتجارة والخدمات اللوجستية في دبي ضمن أكثر القطاعات عرضة للتأثر، إذ يمر جزء كبير من التجارة بين البلدين عبر الإمارات إلى إيران. ومن المرجح أن يؤدي وقف هذه التدفقات أو تراجعها الحاد إلى الإضرار بشركات الشحن والتجار والمستودعات والوكلاء والموزعين، إلى جانب الأنشطة المرتبطة بالموانئ الإماراتية والمناطق الحرة.


كما يبدو القطاع المصرفي والمالي معرضًا لضغوط مماثلة. إذ ستواجه البنوك وشركات الصرافة ومؤسسات تمويل التجارة متطلبات أكثر صرامة لتحديد المستفيدين من المعاملات والتأكد من عدم وجود صلات إيرانية مباشرة أو غير مباشرة بهم. وقد تؤدي إجراءات الامتثال الأكثر تشددًا إلى تقليص جانب من الأنشطة المالية والتجارية التي استفادت منها دبي تاريخيًا بوصفها وسيطًا بين إيران والأسواق الخارجية.


لكن التكلفة الأكثر حساسية قد تتجاوز الخسائر المباشرة لتطال النموذج الاقتصادي لدبي نفسه. فعلى مدى عقود، رسخت الإمارة مكانتها مركزًا تجاريًا وماليًا عالميًا منفتحًا ومرنًا، قادرًا على جذب رؤوس الأموال من بيئات سياسية واقتصادية مختلفة.


وقد يبعث توجه أبوظبي نحو تجميد الأصول الإيرانية على نطاق واسع أو وقف التعاملات المالية مع الكيانات المرتبطة بطهران برسالة تتجاوز حدود إيران. فقد يدفع بعض المستثمرين إلى إعادة تقييم مخاطر الاحتفاظ بأصولهم في الإمارات، خصوصًا إذا ترسخ لديهم انطباع بأن تلك الأصول قد تُجمّد أو تُقيّد نتيجة تحولات جيوسياسية أو عقوبات تفرضها قوى خارجية.


وبذلك، تتجاوز المسألة خسارة جزء من التجارة مع إيران، لتطرح اختبارًا أكثر تعقيدًا لقدرة دبي على الموازنة بين التزاماتها تجاه النظام المالي الغربي وصورتها مركزًا ماليًا وتجاريًا عالميًا يتمتع بقدر نسبي من الحياد والانفتاح على رؤوس الأموال.


وتشير التطورات إلى أن الإمارات تسرّع اندماجها في الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، بعدما امتد التعاون من الأمن والدفاع إلى الاقتصاد والاستثمار. وقد يجعل ذلك أبوظبي أداة إقليمية مؤثرة في تنفيذ الأجندة الأمريكية.


ولا يبدو أن تداعيات هذا التحول ستتوقف عند إيران؛ إذ قد تمتد إلى ملفات وساحات إقليمية أخرى تتقاطع فيها المصالح الأمريكية مع حسابات القوى المحلية، بما يختبر مقدار الاستقلال الذي تستطيع الإمارات الاحتفاظ به في قراراتها وعلاقاتها الإقليمية.


وتتمثل المعضلة الأساسية أمام أبوظبي في تحديد ما يمكنها التضحية به في علاقاتها مع الدول المجاورة وبمرتكزات سياستها الوطنية السابقة، مقابل ضمان موقعها داخل المنظومة الأمريكية والتحالفات الإقليمية المرتبطة بها، وفي مقدمتها إسرائيل.

 

https://www.noonpost.com/en/386721/amp/